نُهوّي الفحم
ننظّف الأنبوب.
+18مورد معلوماتي. النيكوتين يسبب الإدمان. تعاطي التبغ يضر بصحتك.
ننظّف الأنبوب.
بالنسبة إلى المشاهد الأوروبي في القرن التاسع عشر، غدت الشيشة واحدة من أكثر الأشياء دلالة على «الشرق» — لا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحقيقيَّين بقدر ما هي صورة عنهما صاغها خيال الرسامين والكتّاب الفرنسيين والإنجليز ومنظّمي المعارض العالمية. تُعرف هذه الصورة باسم «الاستشراق»، ولا يمكن فهم تاريخ الشيشة في الفن الأوروبي دون إدراك ما كان عليه الاستشراق بوصفه عدسة ثقافية — وأين كانت هذه العدسة تُشوِّه موضوعها تشويهًا منهجيًّا.
الاستشراق في الفن التشكيلي تيّار امتدّ من النصف الثاني للقرن الثامن عشر عبر القرن التاسع عشر بأكمله، تناول فيه الرسامون الأوروبيون مواضيع وأزياء وديكورات ارتبطت في أذهانهم بالدولة العثمانية والمغرب العربي وأصقاع أخرى من «الشرق» بمفهومه الفضفاض والمشوَّش لدى الأوروبيين أنفسهم. والغالبية الساحقة من هذه اللوحات لم تكن، ولم تدَّعِ أنها، توثيقًا إثنوغرافيًّا. والمثال الكلاسيكي على ذلك هو جان أوغست دومينيك أنغر، أبرز أساتذة هذا الفن، الذي لم يطأ قدمه يومًا أرض الدولة العثمانية ولا شمال أفريقيا: فمشاهده الحريمية بأكملها خيالات استوديو، مُركَّبة من محفورات ودراسات تحضيرية وصِرف الخيال. وقسم كبير من اللوحات «الشرقية» التي أصبحت مرجعية لا يصوّر واقعًا رآه عينٌ أوروبية، بل خيالًا أوروبيًّا عن واقع لم تر تلك العين منه شيئًا قط.
وهذا لا يعني أن جميع فناني الاستشراق كانوا بالبُعد نفسه عن موضوعهم: فبعضهم سافر فعلًا إلى مصر وتركيا والمغرب العربي واشتغل على رسوم من الطبيعة. لكن حتى خبرة السفر هذه لم تُحوِّل لوحاتهم إلى تسجيل محايد لِما رأوه — فقد مرّت عبر مصفاة توقّعات الصالون والطلب التجاري على الغرابة والتصوّرات الراسخة عن الحريم والنعومة الحسّية بوصفهما من سمات «الحياة الشرقية». وهذا بالضبط ما يذهب إليه تاريخ الفن المعاصر في تقييمه للاستشراق: بناء لصورة «الآخر» كان يخدم في المقام الأول المشاهد الأوروبي نفسه — فضوله وتوقعاته الجمالية — لا شهادة توثيقية عن حياة الأشخاص المصوَّرين. والشيشة في منظومة الصور هذه ليست غرضًا من أغراض الحياة اليومية، بل واحدة من العلامات المميِّزة لـ«الشرقية» إلى جانب العمامة والمروحة المصنوعة من ريش الطاووس والمبخرة: تفصيلة كانت تُمكِّن مرتاد الصالون من أن يقرأ المشهد فورًا بوصفه «ليس هنا، وليس الآن، وليس عنّا».
أشهر فصل في تاريخ الشيشة في الرسم الأوروبي يرتبط باسم أوجين ديلاكروا. ففي عام 1832 رافق بعثة دبلوماسية فرنسية إلى المغرب والجزائر، وحظي بامتياز نادر لأوروبي في زمانه: الدخول إلى بيت أحد قراصنة الجزائر البحريين، حيث سُمح له برسم سكيتشات لمخدع البيت الداخلي ونساء الأسرة. وعلى أساس هذه الرسوم أنجز في باريس عام 1833 لوحة «نساء الجزائر في مخدعهن» — ثلاث نساء يجلسن على وسائد حول نارجيلة ومجمرة «كانون»، في إضاءة خافتة تكاد تكون حميمية لديكور الحريم.
عُرضت اللوحة في صالون باريس عام 1834، واشتراها في العام نفسه الملك لويس فيليب لمتحف قصر لوكسمبورغ؛ وفي عام 1874 انتقلت إلى متحف اللوفر حيث تُعرض حتى اليوم. وكان استقبالها جدليًّا: فالناقد غوستاف بلانش أشاد في مجلة Revue des Deux Mondes بالبراعة التصويرية — نضارة الأداء وحيويته وجرأة الألوان «البندقية» — لكن حق الرسام نفسه في تصوير مثل هذا المشهد أثار تساؤلات: فالأوروبي لم يكن يملك من حيث المبدأ سبيلًا إلى القسم النسائي من البيت، وقد جرى منذ البداية التشكيك في مصداقية هذه الزاوية الحميمية التي تكاد تكون زاوية «تلصّص». ومزيج الوصول الشخصي النادر الذي حظي به ديلاكروا إلى ديكور حقيقي مع المعالجة الفنية المُثالِيَة للمادة يجعل من «نساء الجزائر» حالة كاشفة: فهي ليست اختلاقًا على طريقة مستشرقي الاستوديو كأنغر، لكنها ليست تقريرًا واقعيًّا أيضًا.
إذا كان ديلاكروا قد رأى المخدع النسائي المغلق مرّة واحدة على الأقل، فإن أنغر بنى مشاهده الحريمية بالكامل من رموز ثقافية جاهزة. ففي لوحة «الجارية الكبرى» (1814، اللوفر) تُرافق الجسدَ العاري أشياءُ يُراد لها أن تُقرَأ بوصفها «تركية»: غليون شيشة مسنود إلى مبخرة يتصاعد منها البخور، ومروحة من ريش الطاووس. ويشير مؤرخو الفن إلى أن هذه الملحقات — الغليون، المروحة، العمامة المُرصّعة — أُدخلت في التكوين لا لدقّة إثنوغرافية، بل لنقل الجسد العاري من «الحاضر الفرنسي» إلى فضاء تركي متعارف عليه، وبذلك تخفيف وقع فضيحة العُري نفسها على جمهور الصالون.
وتنتمي إلى الخط نفسه لوحة «الجارية والعبدة»، التي رسمها أنغر عام 1839 في روما بتكليف من شارل ماركوت — وكان الرسام آنذاك يدير أكاديمية فرنسا في روما، ولم يزر قط، كما في حالة «الجارية الكبرى»، مصر الحقيقية أو الدولة العثمانية. تُظهر اللوحة جارية عارية تستمع إلى عازف، وإلى جانبها، بين هدايا صاحب البيت، تظهر شيشة — تفصيلة أقرب إلى أجواء الحكاية الشرقية منها إلى الملاحظة المباشرة. وتُحفظ النسخة الأولى في متحف فوغ للفنون بجامعة هارفارد (كامبريدج، ماساتشوستس)؛ أما النسخة الثانية، التي أنجزها أنغر مع تلاميذه عام 1842، فتوجد في متحف والترز للفنون في بالتيمور.
يحتلّ جان ليون جيروم مكانة خاصة في تاريخ الاستشراق: فخلافًا لأنغر، زار الشرق الأوسط مرارًا — ومن المعروف أنه سافر إلى مصر والأناضول عام 1868، وبعدها امتلأ استوديوه الباريسي بأدوات ومعدات شرقية أحضرها معه. وهذا المزيج بين خبرة السفر وتنسيق الاستوديو هو ما يجعل من فن جيروم حالة لافتة: فالمشاهد يقرأ لوحاته بوصفها موثوقة إثنوغرافيًّا لأن الأشياء المرسومة حقيقية، في حين أن المشهد نفسه لا يزال يُبنى داخل الاستوديو وفق مقتضيات صالون باريس.
والشيشة عنصر ثابت في هذه التركيبات لدى جيروم. ففي لوحة «الأرناؤوطي المدخِّن» (1865، مجموعة خاصة) يظهر رجل يرتدي زيّ الأرناؤوط — وهو الاسم الفرنسي الذي كان يُطلق على المرتزقة الألبان في الخدمة العثمانية — في لحظة شفط من الشيشة. أما اللوحة المتأخرة «مُوقِدة النارجيلة» (نحو 1898، وتوجد الآن في متحف بوغدان وفارفارا خانينكو في كييف) فتجمع بين جسد نسائي عارٍ برسم أكاديمي وبين الأدوات الشرقية نفسها — مستخدمًا إياها كما استخدمها أنغر قبل نصف قرن: علامة تُضفي شرعية على العُري من خلال الإطار الشرقي المحيط به.
لم ينشأ الرسم الاستشراقي من فراغ — بل غذّاه تقليد أدب الرحلات الأوروبي عن الشرق، الذي كان قد تجاوز القرن من عمره بحلول القرن التاسع عشر. ومن أوائل هذه النصوص وأهمّها «رسائل من السفارة التركية» لماري ورتلي مونتاغيو، زوجة السفير البريطاني في إسطنبول، التي رافقت زوجها بين عامي 1716 و1718؛ ونُشرت هذه الرسائل بعد وفاتها عام 1763، وتُعدّ أول مؤلَّف علماني تكتبه امرأة أوروبية عن الشرق المسلم، إذ تصف فضاءات الفراغ النسائي العثماني اليومية، وبخاصة الحمّام، الذي تسمّيه مونتاغيو «مقهى النساء» نظرًا للوظيفة الاجتماعية التي كان يؤدّيها كمكان تجمُّع.
وفي الجيل التالي واصل هذا التقليد الفرنسي في أدب الرحلات الشرقية جيرار دي نرفال، الذي وُلد كتابه «رحلة إلى الشرق» (1851) من رحلة إلى القاهرة وبيروت في مطلع أربعينيات القرن التاسع عشر، وتيوفيل غوتييه بكتابه «القسطنطينية» (1853) إثر رحلة إلى العاصمة العثمانية في صيف 1852. وكلا النصّين جزء من التيار الثقافي نفسه الذي غذّى رسم الصالون: فالكاتب يسافر إلى الشرق ليصفه للقارئ الباريسي، وتصبح أوصافه للحياة اليومية في شوارع ومقاهي القاهرة أو إسطنبول مصدرًا آخر للصور، على قدم المساواة مع اللوحات.
لعل أكثر صور الشيشة تداولًا في الثقافة الناطقة بالإنجليزية في القرن التاسع عشر لا صلة لها بالاستشراق بوصفه تيّارًا تصويريًّا — فقد نشأت في كتاب للأطفال. ففي «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول (1865)، تلتقي أليس باليسروع جالسًا على فطر ويدخّن شيشة. وتقوم رسمة جون تينيَل على مفارقة بصرية: جسد اليسروع من الجانب، لكن وجهًا بشريًّا يتشكّل من رأسه وحلقاته الأمامية، بينما تخرج يد ممسكة بغليون الشيشة من كُمّ فضفاض، وكأن اليسروع حشرة وحكيم شرقي يرتدي جلبابًا في آنٍ واحد؛ ويلتفّ خرطوم الشيشة حول الشخصية في حلقة مغلقة. وقد نُقلت هذه الرسمة إلى لوح الحفر في ورشة الأخوين دالزيل (Dalziel Brothers).
واللافت أن الشيشة هنا مقتلَعة تمامًا من سياقها الشرق أوسطي: فهي لا تُشير إلى «الشرق» بوصفه مكانًا بعيدًا، بل تحوّلت إلى سمة لشخصية عبثية في حكاية أدبية إنجليزية — وهو دليل على أن الشيشة، بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت قد ترسّخت في التداول البصري الأوروبي، وأصبح بالإمكان استخدامها خارج الإطار الاستشراقي، مجرّد أداة تدخين معروفة تحمل نكهة من الغرابة.
القناة الثانية التي بلغت الشيشة من خلالها أنظار الجمهور الأوروبي الواسع هي المعارض العالمية. ففي المعرض العالمي لعام 1867 في باريس، كان يعمل في الجناح المصري مقهى يقدّم للزوار مجانًا القهوة والشيبوك — غليون التدخين التركي — والشيشة: مثال موثَّق على كيفية عرض «التدخين على الطريقة الشرقية» لا في صورة لوحة، بل كفُرجة مباشرة.
وكان «شارع القاهرة» في المعرض العالمي لعام 1889 في باريس أكبر حجمًا: شارع «مصري» أُعيد بناؤه على امتداد مئة وخمسين مترًا، بمقاهيه ودكاكين حرفييه ومئذنة تُحاكي بناءً من القرن الخامس عشر؛ وكان المقهى يقدّم القهوة التركية، بينما كانت الراقصات تُقيم عروضًا مسائية. ومن حيث الحصيلة المالية، جاء «شارع القاهرة» في المرتبة الثانية من حيث الربحية بعد برج إيفل — وهو دليل على ضخامة الطلب التجاري تحديدًا على «التجربة الشرقية» بوصفها ترفيهًا لا تثقيفًا. وهذه «الشوارع» و«المقاهي» المعروضة امتداد وظيفي للرسم الاستشراقي: فقد حوّلت صورة الشرق المرسومة بالزيت إلى ديكور يمكن السير فيه فعليًّا ورؤية الشيشة لا على القماش، بل حيّة أمام العين.
وتسرّبت موضة «الشرقي» أيضًا إلى الديكور الخاص لدى الأوروبيين والأمريكيين الميسورين. ففي عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر، انتشرت في البيوت الثرية في إنجلترا والولايات المتحدة «غرف التدخين التركية» — قاعات ذات أرائك منخفضة وسجاجيد ونارجيلات، صُمِّمت وفق موتيفات الرسم الاستشراقي. ويُعدّ أحد أقدم الأمثلة الموثَّقة لغرفة كهذه في بيت خاص غرفةَ التدخين في قصر فيكتوريا مانشن بالولايات المتحدة، التي صمّمتها شركة Herter Brothers — وهو شكل آخر من الظاهرة نفسها: جمع لا للشرق نفسه، بل لصورته.
لم تبقَ الصورة التي ابتكرها ديلاكروا عام 1834 حكرًا على القرن التاسع عشر وحده. فقد أنجز بابلو بيكاسو سلسلة من خمس عشرة لوحة وعدد كبير من الرسوم تحت عنوان مشترك هو «نساء الجزائر»، عمل عليها من 13 ديسمبر 1954 إلى 14 فبراير 1955 — كردّ فعل مباشر على لوحة ديلاكروا التي كان يقصد اللوفر خصّيصًا لتأمّلها على مدى سنوات طويلة. وفي مايو 2015، بيعت اللوحة الأخيرة، الخامسة عشرة، من السلسلة، «النسخة O» (1955)، في مزاد Christie's بنيويورك بمبلغ 179.4 مليون دولار، لتُسجِّل حينها الرقم القياسي المطلق لثمن عمل فني في مزاد علني — وهو دليل على مدى رسوخ الصورة التي وُلدت في صالون 1834 في الذاكرة الثقافية للقرنين العشرين والحادي والعشرين.
وبحلول مطلع القرن العشرين، انتقلت الشيشة، بوصفها علامة بصرية على «النعومة الشرقية»، من رسم الصالات إلى الثقافة المطبوعة الجماهيرية — على أغلفة النوتات الموسيقية والملصقات الإعلانية والبطاقات البريدية، حيث استُخدمت صورتها الظِّلّية علامةً معروفة على موضوع «الشرق البعيد والحسّي». وهذه هي النقطة الختامية لمسار بدأ بالغليون في لوحة أنغر: شيء صُوِّر بوصفه سمة غريبة من عالم إكزوتيكي، ليتحوّل مع الزمن إلى كليشيه بصري مستقل قائم بذاته يُستغَل تجاريًّا — وهذا ما يستحق أخذه بالحسبان اليوم أيضًا، عند ملاحظة كم تواصل الثقافة الجماهيرية استنساخ هذه الصورة الاستشراقية بالذات، التي يعود عمرها إلى قرن من الزمن، بدل أي ممارسة حقيقية.
ما هو الاستشراق في الرسم، ولماذا يلزم النظر إليه بمسافة نقدية؟
هو تيّار امتدّ من النصف الثاني للقرن الثامن عشر عبر القرن التاسع عشر بأكمله، صوّر فيه الرسامون الأوروبيون أزياء وديكورات ومواضيع «الشرق» انطلاقًا من الخيال لا من الملاحظة؛ والغالبية الساحقة من هذه اللوحات ليست توثيقًا إثنوغرافيًّا بل بناءً لصورة «الآخر» كان يخدم في المقام الأول المشاهد الأوروبي نفسه.
ما هي لوحة الشيشة التي رسمها ديلاكروا، وما الذي يميّزها؟
«نساء الجزائر في مخدعهن» (1834، توجد اليوم في اللوفر) — رُسمت بالاستناد إلى رسوم تحضيرية شخصية نادرة أُنجزت داخل بيت أحد قراصنة الجزائر؛ ومزيج هذا الوصول النادر إلى ديكور حقيقي مع المعالجة الفنية المُثالِيَة يجعلها ليست اختلاقًا على طريقة أنغر، لكنها ليست تقريرًا واقعيًّا أيضًا.
كيف تُستخدم الشيشة في شخصية اليسروع من «أليس في بلاد العجائب»؟
في رسمة جون تينيَل، الشيشة مقتلَعة تمامًا من سياقها الشرق أوسطي وتحوّلت إلى سمة لشخصية عبثية في حكاية إنجليزية — وهو دليل على أن الشيشة، بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت قد دخلت التداول البصري الأوروبي خارج الإطار الاستشراقي.
كيف كانت الشيشة تُعرض على الجمهور في المعارض العالمية؟
في معرض باريس عام 1867، كان مقهى في الجناح المصري يقدّم للزوار مجانًا القهوة والشيبوك والشيشة؛ وفي معرض 1889، جاء «شارع القاهرة» بمقاهيه ومئذنته في المرتبة الثانية من حيث الربحية بعد برج إيفل.
كيف أثّرت لوحة ديلاكروا في فن القرن العشرين؟
أنجز بابلو بيكاسو سلسلة «نساء الجزائر» (1954-1955) كردّ فعل مباشر عليها؛ وبيعت آخر لوحة في السلسلة، «النسخة O»، في مزاد Christie's في مايو 2015 بمبلغ 179.4 مليون دولار، لتُسجِّل حينها الرقم القياسي المطلق لثمن عمل فني في مزاد علني.